قال موقع "مودرن دبلوماسي"، إنه بإمكان مصر الاستفادة من التنافس بين الولايات المتحدة والصين وشراكتها الاستراتيجية مع بكين لتعزيز أمنها القومي ومكانتها كمركز لوجستي عالمي من خلال عدة مسارات استراتيجية:

 

 

1- تعزيز مكانتها كمركز لوجستي وتجاري عالمي، من خلال:

 

– تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: الاستفادة من الاستثمارات والمشاريع الصينية الضخمة في منطقة تيدا في العين السخنة لإنشاء صناعات حيوية مثل الهيدروجين الأخضر، والألواح الشمسية، والمركبات الكهربائية، وتحويل مصر من مجرد ممر مائي إلى مركز عالمي للتصنيع والخدمات اللوجستية.

 

– ربط مبادرة الحزام والطريق برؤية مصر 2030: دمج الموانئ المصرية، مثل ميناء بورسعيد الشرقي والإسكندرية والعين السخنة، في شبكة التجارة البحرية الصينية، مع الحفاظ على توازن يسمح باستثمارات بديلة في موانئ أخرى وممرات لوجستية لتوسيع خياراتها وشبكتها الدولية من الحلفاء.

 

– سلاسل التوريد البديلة: توفر مصر قاعدة إقليمية آمنة للشركات العالمية والصينية التي تسعى إلى تنويع سلاسل التوريد الخاصة بها بعيدًا عن مناطق الصراع المباشر، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي يربط ثلاث قارات.

 

 

2- تعزيز الأمن القومي وأمن البحر الأحمر، من خلال:

 

– تنويع مصادر التسلح والتكنولوجيا العسكرية: تتيح الشراكة مع الصين لمصر الحصول على تكنولوجيا عسكرية متقدمة، مثل الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي وتكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية، دون الشروط السياسية الصارمة التي تفرضها واشنطن، مما يعزز استقلالية صنع القرار العسكري المصري.

 

– تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومضيق المندب: يمكن تحقيق ذلك من خلال الاستفادة من الوجود العسكري الصيني في جيبوتي واهتمام الصين بالأمن البحري لتنسيق وبناء مظلة أمنية مشتركة تحمي قناة السويس من التهديدات الناشئة، مثل الهجمات في البحر الأحمر، بالنظر إلى أن استقرار هذا الممر المائي يمثل مصلحة مشتركة حيوية لكل من مصر والصين.

 

– موازنة الضغوط السياسية: من خلال توظيف الدبلوماسية المرنة والموازنة الاستراتيجية، فإن تقارب مصر مع الصين (خاصة بعد انضمامها إلى مجموعة البريكس) يمنحها نفوذاً قوياً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة والمؤسسات الدولية الغربية، والعكس صحيح.

 

 

3- التوسع والنفوذ المصري في أفريقيا عبر الصين، من خلال:

 

من خلال العمل كبوابة استراتيجية للاستثمارات الصينية الموجهة نحو القارة الأفريقية، عبر تنفيذ مشاريع البنية التحتية المشتركة (الطرق ومحطات الطاقة والسدود) بالتعاون بين الشركات المصرية والصينية في حوض النيل ودول القرن الأفريقي، تستطيع مصر تعزيز نفوذها ودبلوماسيتها التنموية.

 

هنا، يمكن لمصر الاستفادة من المنافسة الدولية والصينية على أفريقيا والبحر الأحمر وإثيوبيا، ومن شراكتها مع الصين، لتعزيز أمنها القومي ومكانتها كمركز لوجستي وتجاري. وبالتالي، يمكن أن يصبح النفوذ الاقتصادي الصيني عاملاً للاستقرار والتنمية في مصر، بدلاً من أن يكون ساحة جديدة للمنافسة الدولية في المستقبل. تستطيع مصر تعزيز أمنها القومي ومكانتها اللوجستية من خلال الاستفادة من موقعها الاستراتيجي الفريد كحلقة وصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتحويل المنافسة الدولية وشراكتها مع الصين إلى فرص تنموية مدروسة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال دراسة وفهم الأبعاد الاستراتيجية التالية:

 

 

– أولاً: آليات استفادة مصر من المنافسة الدولية والشراكة الصينية

 

– تطوير مراكز الخدمات اللوجستية العالمية: مواصلة توسيع وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بالتزامن مع الاستثمارات الصينية، مثل منطقة تيدا في العين السخنة، لتحويل القناة من مجرد ممر مائي إلى مركز عالمي للتصنيع وإعادة التصدير.

 

– الربط القاري والبنية التحتية: قيادة مشاريع الربط الإقليمي في أفريقيا، مثل الطريق السريع بين القاهرة وكيب تاون ومشروع الممر المائي بين بحيرة فيكتوريا والبحر الأبيض المتوسط، والاستفادة من التمويل المقدم من مبادرة الحزام والطريق الصينية لربط التجارة الأفريقية بالبحر الأحمر.

 

– تنويع الشراكات الأمنية والعسكرية: الاستفادة من المنافسة الدولية في البحر الأحمر لتأمين الملاحة ومكافحة القرصنة والإرهاب من خلال بناء تحالفات مرنة وتحديث القدرات البحرية المصرية (قاعدة برنيس البحرية) دون الانحياز بشكل كامل إلى أي قوة دولية واحدة.

 

– توطين الصناعة والتكنولوجيا: جعل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات، مثل السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والاتصالات، شرطاً أساسياً في عقود الاستثمار مع الصين والدول الغربية. سيؤدي ذلك إلى تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الأمن الاقتصادي المصري.

 

 

ثانيًا: النفوذ الاقتصادي الصيني: استقرار وتنمية أم ساحة منافسة؟ تشير المؤشرات المستقبلية للنفوذ الصيني في مصر والمنطقة إلى سيناريوهين متداخلين:

 

– السيناريو الأول: عامل استقرار وتنمية يتحقق من خلال التركيز على البنية التحتية، وتوفير قروض ميسرة، وخلق فرص عمل محلية، ودعم التكامل الإقليمي. سيكون لهذا أثر إيجابي على مصر وأفريقيا، إذ سيساهم في تخفيف حدة النزاعات الناجمة عن الفقر، ويوفر للدول الأفريقية خيارات تمويل بديلة لتنمية اقتصاداتها.

 

– السيناريو الثاني: النفوذ الصيني في أفريقيا كعامل سلبي، يحولها إلى ساحة جديدة للتنافس الدولي. إن تزايد مخاوف الغرب (الأمريكي والأوروبي) من الهيمنة الصينية، ومحاولات احتواءها عبر مبادرات مضادة أو ضغوط سياسية، قد يحول منطقة البحر الأحمر وأفريقيا إلى مناطق استقطاب عسكري وسياسي، مما يجبر الدول على الاختيار بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية.

 

 

ثالثًا: تحليل دور الصين فيما يتعلق بقضية سد النهضة الإثيوبي الكبير، وما إذا كان بإمكان بكين أن تلعب دورًا في دعم الاستقرار والمفاوضات بين مصر وإثيوبيا.

 

من جهة أخرى، ونظرًا لعلاقات الصين المتنامية مع إثيوبيا ودول حوض النيل، يُمكن النظر إلى دورها في قضية سد النهضة بشكل إيجابي بالنسبة لمصر. إذ يُمكن لبكين أن تُسهم في دعم الاستقرار والمفاوضات، على الرغم من أن مصالحها الاقتصادية قد تجعلها أكثر حذرًا من الصدام مع إثيوبيا. وهنا، تتبنى الصين نهجًا براجماتيًا وحذرًا، إذ تُوازن بين مصالحها الاقتصادية الكبيرة في إثيوبيا وعلاقتها الاستراتيجية مع مصر. وهذا يُقيد دورها بالدبلوماسية الهادئة والدعوة إلى المفاوضات دون ممارسة ضغوط مباشرة أو الدخول في مواجهة مع أديس أبابا. ويمكن فهم ذلك من خلال:

 

 

1- تحليل دور الصين فيما يتعلق بسد النهضة

 

– الدعم الفني والمالي: ساهمت الشركات الصينية والتمويل بشكل مباشر في البنية التحتية ومحطات توزيع الكهرباء المرتبطة بمشروع سد النهضة الإثيوبي.

 

– سياسة عدم التدخل: تلتزم بكين تقليدياً بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى وتتجنب اتخاذ مواقف علنية ضد مشاريع التنمية الإثيوبية.

 

– التوازن الدبلوماسي: تحرص الصين على إصدار بيانات مشتركة مع مصر تؤكد على أهمية القانون الدولي وضرورة تجنب الإضرار بالأمن المائي، لكن هذه البيانات الدبلوماسية لا ترقى إلى مستوى ممارسة الضغط من خلال الوساطة.

 

 

2- هل تستطيع بكين دعم الاستقرار والمفاوضات بين مصر وإثيوبيا؟

 

– القدرة موجودة: تمتلك الصين نفوذًا اقتصاديًا وماليًا كبيرًا على إثيوبيا، مما يمكّنها من ممارسة نفوذها إذا رغبت في ذلك، نظرًا لحجم استثماراتها وقروضها.

 

– تفتقر الصين إلى الإرادة لممارسة الضغط: فهي ترفض أن تصبح وسيطًا جادًا أو طرفًا ضاغطًا، وتفضل النأي بنفسها عن نقاط الخلاف الحادة بين مصر وإثيوبيا والسودان.

 

– أقصى دور ممكن: يقتصر دور بكين المتاح على الوساطة الهادئة وتشجيع الأطراف على العودة إلى طاولات المفاوضات الإقليمية دون فرض حلول ملزمة.

 

 

3- المصالح الاقتصادية وتجنب المواجهة:

 

– شراكة استراتيجية عميقة: بالنسبة للصين، تعتبر إثيوبيا بوابة رئيسة وقلب أفريقيا لتنفيذ مبادرة الحزام والطريق واختراق القرن الأفريقي.

 

– مشاريع مترابطة: ترتبط المصالح الصينية في إثيوبيا بمشاريع زراعية وكهربائية وسكك حديدية تستفيد بشكل مباشر من طاقة السد.

 

واستنتج التقرير أن المصالح الاقتصادية الكبرى تجعل الصين حذرة للغاية من خسارة حليفتها الإثيوبية، مما يجعل موقفها منحازاً نحو تجنب المواجهة والامتناع عن فرض أي تسوية قسرية عليها.

 

من هذا المنطلق، قال إن النفوذ الصيني يحمل إمكانات تنموية هائلة لأفريقيا ، ولكنه لا يزال محفوفًا بمخاطر التنافس الجيوسياسي مع قوى أخرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. إن قدرة مصر على تحقيق التوازن الدبلوماسي والاعتماد على سياسة تعدد الشركاء هي الضمانة لتحويل هذا النفوذ إلى عامل استقرار يدعم أمنها القومي.

 

https://moderndiplomacy.eu/2026/09/13/egypt-benefit-china-us-rivalry-africa/